الفصل الثاني: مواصفات الأستاذ الرسالي ودورها في تحقيق الجودة

المبحث الأول: مواصفات الأستاذ الرسالي

      المدرس الرسالي هو ذلك الشخص الذي يقتنع أن مهمة التدريس لا تختصر في كونها حرفة عادية كباقي الحرف الأخرى، بل هي عملية معقدة ومركبة، تتطلب جهدًا ونفسًا عميقين. فهو صاحب مهمة تقوم أساسًا على جملة من القيم، وتضبطها معايير وضوابط منتظمة، فهو يعي جيدا أن اشتغاله ليس اشتغالا على شيء من الأشياء المادية، إنما اشتغاله على الإنسان فالعلاقة هنا ليست بين إنسان وشيء بقدر ما هي علاقة بين إنسان وإنسان، بين معلم ومتعلم، تتشكل من خلالها شخصية المتعلم، وتتحدد معالمها.

      المـدرس الرسالي؛ هو رجـل التعليم الذي يحـمل رسالة يعيش ويعمل لأجلها، ويقدم الغالي والنفيس من أجل تحقيقها. ويساهم به في الفعل الحضاري لأمته ولشعبه، بالتجربة والممارسة الميدانية، ولا تنطفئ جذوة العمل الرسالي لديه، متميز عن غيره في عمله، أكثرهم تأثيرا في النفوس والقيم والأخلاق.

     وفي ما يلي جملة مواصفات نجدها في شخصية الأستاذ الرسالي:

المطلب الأول:  صفات الإخلاص والحب والمسؤولية

     الإخلاص وهو أن يقصد المسلم بأقواله وأفعاله التقرب إلى الله والتوصل إلى دار كرامته  وهو من الأعمال القلبية، إنه أساس نجاح أي مؤمن وقد عرفه الأستاذ فتح الله كولن بقوله:

      » الإخلاص هو الصدق والصفاء، ما لا شائبة فيه، والبعد عن الرياء، والكف عن كل ما يكدر القلب… أو صفاء القلب واستقامة الفكر، والبعد عن الأغراض الدنيوية في العلاقة مع الله وإيفاء العبودية حقها[1] «.

      والإخلاص أمر إلهي يقول الله تعالى: )وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة( سورة البينة، الآية: 5.

      وغيرها من الآيات كثير تحث على الإخلاص وتبين فضله، والإخلاص ليس مقتصرا على الصلاة والصيام… بل يشمل جميع مناحي الحياة ومجالاتها لهذا وجب الإخلاص لله تعالى في كل الأحوال والأوضاع. ومن أخلص النية لله تعالى حصل ما يحصله أهل الدنيا وزيادة وهذه الزيادة تتمثل في نيل رضا الله تعالى وما أنعمها من زيادة!

      والنية الصحيحة مطلوبةٌ في كل قربة يُرجى ثوابها عند الله، ومن ذلك التعلُّم والتعليم، وهي تحتاج إلى مجاهدة في تحصيلها واستصحابها، وإلى مدافعة أضدادها ومفسداتها، والنية هي سبب قبولٍ وتوفيق، وحصول بركةٍ وتسديد، وقد افتتح الإمام البخاري وبعض الأئمة مؤلفاتهم بحديث إنما الأعمال بالنيات، وهي تدخل كما قال الإمام الشافعي في سبعين باباً من أبواب الفقه، والعدد للتكثير لا للتحديد والاستقصاء[2].

      ( وأول ما يرجى من طالب العلم، وبخاصة العلم الشرعي، تصحيح النية، وذلك أن يجاهد نفسه على الإخلاص والتجرد، ويتحرى بعامه وجه الله تعالى والدار الآخرة، ولا يجعل همه ونيته مباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، أو مجاراة الأغنياء، ومداهنة الأمراء، أو جمع المال، أو الجاه، أو غير ذلك مما يتطلع إليه الناس من متاع الحياة الأدنى، فيبيعون باقيا بفان، وعظيما بحقير وملكا كبيرا بثمن قليل[3]).
وفي الحديث أنّ:

      “أول مَن تُسَعّر بهم النار ثلاثة نفر؛ باذلٌ للمال، وطالب للعلم، وخارج للقتال، لكنهم لم يقصدوا بأعمالهم إلا وجوه الناس وثنائهم، وقد وجدوا ما قصدوا إليه، فحرمهم القبول والثواب[4] ” وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيَّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار[5]“.
      وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: “من تعلَّم علما مما يُبتغى به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرْف الجنة يوم القيامة[6]” وعرف الجنة: ريحها.
      مع ملاحظة أن الوعيد يلحق ـ كما أفهم الحديث ـ مَن قصد بعلمه الدنيا ومحَّض لذلك نيّته من غير التفاتٍ للآخرة، أما من أراد بعلمه الآخرة وأصاب مع ذلك شيئاً من الدنيا فلا يلحقه الوعيد، وقد تحدث الفقهاء عن جواز التشريك في النية كما في الحج: )ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم( [سورة البقرة: 198] )ليشهدوا منافع لهم([سورة الحج: 28]. ففرقٌ بين مَن يأخذ الدنيا ليتفرغ لعمل الآخرة، وبين من يعمل عمل الآخرة ليأخذ الدنيا، فتأمل؛ فإنه موضع الزلل.[7] فالحديث إنما يَذُمّ مَن قصد الدنيا، لا من جاءته الدنيا بغير هذا القصد. والقرآن ذم من )طغى وآثر الحياة الدنيا([سورة النازعات: 37] و)من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا([سورة النجم: 29] و)من كان يريد العاجلة([سورة الإسراء: 18] في مقابل)من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن([سورة الإسراء: 19]. والدنيا لا تُذَمّ إلا إذا قُصدت بعمل وعلم الآخرة، وكيف تُذَمّ الدنيا لذاتها وهي مزرعة الآخرة؟ ولهذا قال العلامة القاري في المرقاة: “أفهم الحديث أن من أخلص قصده فتعلم لله، لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، بل مِن شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة.[8]
      وللعلامة الدكتور يوسف القرضاوي إشارة نفيسة في كتابه القيم “الرسول والعلم”؛ وهي أن كثيراً من طلاب العلم في عصرنا لا يتجهون إلى العلم بنيّة مبيتة، بل يوجههم إليه ـ في صغرهم ـ آباؤهم، أو مجموع درجاتهم، أو ظروفٌ خاصة بهم مثل ألا يكون في البلد إلا لونٌ معين مِن الدراسة يُفرض عليهم، ثم لا يلبثون إذا أدركوا أن يجدوا أنفسهم في معهدٍ ديني، أو كليةٍ شرعية، ولو خُير اليوم ما اختار هذا الطريق فهذه دراسة بلا نية، لأن النِيّة مع الاختيار، ولهذا ينبغي لمن وضعته الأقدار في هذا الموضع أن يجدد نية صالحة ورغبةً صادقةً، وسيجد مِن العلم الذي يعيش في ظلاله، وصحبة أهل الخير في سيره، ما يُعينه على تصحيح النيّة. وقد رووا عن مجاهد قال: “طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله بعدُ فيه نيةً”[9] ومثله يقال فيمن اتجه إلى مهنة التعليم مِن غير رغبة، بل لواحد من الأسباب التي أشار إليها الدكتور القرضاوي، خاصّة ضعف المعدل، حيث يتجه إلى تخصصات دون طموحه وآماله، فمثل هذا يحتاج إلى تجديد النية حتى يُقْبَل عمله، ويُبَارَك له فيه، ويكون أقدر على العطاء والنماء والتجويد والإبداع والابتكار، فالرغبة عاملٌ مهم في ذلك كله.

      والأستاذ المخلص في عمله لا شك أنه سيحب عمله وسيحب تلامذته، حتى إذا صارت العلاقة بينه وبين تلامذته يحكمها الحب والود واللطف كانت الثمار طيبة بإذن الله تعالى وكان النتاج والمحصول العلمي مما يسر ويبهج فما دخل الرفق والحب في شيء إلا زانه ويسر أمره وما نزع من شيء إلا شانه وعسّر أمره.

      وليعلم المدرّس أن المطالبة بالحقوق والتذمر من الوضع لا ينبغي أن تنسيه القيام بالواجبات وتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه. فالتلميذ لا دخل له في الترقية والمشاكل الإدارية أو النقابية، التلميذ من حقه أن يستفيد من الدرس ويستمتع بأجواء تربوية داخل الفصل، مفعمة بالاحترام المتبادل والتنافس الشريف في التحصيل العلمي والارتقاء في مدارج الصلاح والتفوق. فعلى الأستاذ الرسالي أن يبرهن أنه أهل للثقة والاحترام وينبغي عليه أن يعي بأنه قد تحمل مسؤولية عظيمة فقد استأمنه الناس على فلذات أكبادهم واستأمنوه على عقول غضة ما تزال في طور النضج والتشكل ليملأها بالعلم النافع ووضعت بين يديه قلوب أوعية ليملأها بالخير.

المطلب الثاني: صفة البذل والتضحية

      إن التعليم ليس وظيفة كباقي الوظائف، إنه رسالة نبيلة وعظيمة، ولا بد للمدرس أن يدرك أهمية المهمة الملقاة على عاتقه. فإذا أتقن عمله وأخلص فيه، ساهم في حصانة النشء من الانحراف والضياع ووضع لبنة في بناء جيل النهضة المنشود. ولنا في بعض الدول المتقدمة كاليابان أكبر دليل على ما نقول. حيث  يستقبل المدرس تلاميذه بالتحية والابتسامة في الصباح الباكر، بل ويسهر على سلامتهم من آفات الشارع قبل أن يلجوا باب المؤسسة. إن المدرس الرسالي يضطلع بأدوار مختلفة، فهو المربي والمعلم والموجه والمخطط والفنان والمبدع… لا يرتاح له بال حتى يرى الابتسامة والرضا تعلو محيا تلاميذه بفضل أدائه المتميز داخل القسم. فنجاح التلاميذ نجاح له وفشلهم فشل له، همّه أن يجعل من ساعات الدرس أوقاتا ممتعة ومفيدة وشيقة بالنسبة للتلميذ.

      لا يضر الأستاذ الرسالي أن يضحي بوقته أو بماله إن لزم الأمر مادام هدفه تحقق الرسالة واقعا في أرض الله، لأنه لا يرى مصلحته الشخصية إلا من خلال مصلحة الرسالة والمهمة التي يضطلع بها ولا يرى لنفسه نجاحا إلا من خلال نجاحه في تحقيق أهداف الرسالة.

      حدد الإمام البنا رحمه الله ملامح الشخصية المضحية المجاهدة على طريق الدعوة؛ حيث قال: “أستطيع أن أتصوَّر المجاهدَ شخصًا قد أعدَّ عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبدًا، إن دُعي أجاب، أو نودي لبَّى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلُّك على ما يضطرم في قلبه من جوًى لاصقٍ وألمٍ دفينٍ، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمَّة عالية وغاية بعيدة، من هنا وجب على العاملين أن يشمروا عن سواعدهم، وأن يتخففوا من أثقال هذه الدنيا، وأن يعيشوا حياتهم عزيزة كريمة من أجل قضية كبيرة وغاية عظيمة، وأن يعلموا أن نجاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة مرهون بما قدموه لدينهم ودعوتهم”[10].

      وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد بولوز: “البذل عطاء، والتضحية إيثار، وثقافة التطوع سلوك وصبغة لمن تعود على تجاوز الواجب والحد الأدنى من الالتزام إلى مستويات عليا من المنافسة في الخير والرقي في درجات الإحسان، فمن يفكر مليا في كل ما يملك من جهد ووقت ومال وحياة ينتهي إلى أن المالك الحقيقي لكل ذلك هو الله عز وجل، فهو سبحانه الرزاق وواهب الحياة وهو المعين ذو القوة المتين، وإذا كان من سبيله وإرشاده عباده الصالحين أن يبذلوا شيئا مما أتاهم أو يعطوا كل ذلك مقابل رضوانه ونيل جنانه، فرح العقلاء والمحبون بالبيع وكان ديدنهم السخاء.

      فما يطلبونه أكبر بكثير مما يبذلونه، إنهم يريدون حياة طيبة وسعادة دنيوية، ولا تستقيم لهم بغير بذل ولا عطاء، ويريدون جزاء عريضا في جنات ونعيم لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، ومع ذلك وفوقه يريدون رضوانا من الله أكبر ونظرا في وجهه الكريم، يذكرون غمسة واحدة في نعيم الرحمن تنسيهم كدح الدنيا ومتاعبها فكيف بمن حاز الجوار الدائم والمقام الخالد، يعشقون شرع ربهم وإقامة دينهم وإصلاح أحوال قومهم، ويودون انتشار دعوتهم في العالمين، ويتمنون زوال الشرور ومختلف أشكال الضلال والفساد والاستبداد، ولا يقوم شيء من ذلك من غير بذل ولا تضحية ولا تطوع بالجهود والأوقات والأموال وربما بالأرواح أيضا، يرون أمامهم ما يبذله أهل الباطل في باطلهم وأهل الفساد في يسلكون مسلك البذل والعطاء وطريق التطوع والتضحية لأنه طريق مضمون إلى معالي الأمور سلكه الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وبلغوا ما بلغوه من الذكر الحسن ورضوان الله والانخراط في سلك المنعم عليهم.[11])

المطلب الثالث: صفة القدوة الحسنة والعمل الصالح

      قال الله تعالى: )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.(سورة الأحزاب 20
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل[12]) من خلال هذين النصين الشرعيين يتبين لنا أن من طبيعة البشر التي جبلوا عليها التعلم بالقدوة والتأثر بالرفقة واتباع الأسوة.

      ولعل الذي يرجع إلى نفسه متأملا يجد أنه قد انطبع في ذهنه تصرفات وسلوكات والديه أو معلمه للتأثير البالغ الذي حدث في نفسه بوعي أو بدون وعي. فمقام المدرس مقام حساس، إذ أن أعين المتعلمين معقودة به، يتخذونه مثالاً يقتدى ونموذجاً يحتذى ويرون كل قول يخرج منه صواباً، وكل فعل يصدر عنه صحيحاً، والتعليم بالقدوة أعظم تأثيراً خاصة على المستوى الأخلاقي، فالمدرس المخلق هو الذي تكون عنده قابلية لضخ الفضيلة في شخصية المتعلم، فلو رجعنا بذاكرتنا إلى الطفولة والمراهقة لوجدنا أن المعلم صاحب الهم الرسالي هو الأكثر تأثيراً في نفوسنا وقيمنا وأخلاقنا، وربما نسينا أشياء كثيرة ولكننا لم ننس ما غرسه فينا من قيم ومعارف وسلوك، أما الذي لا يزن جهوده بميزان الأخلاق فلا وقع لجهوده – بالرغم من كثافتها- على مستوى وجدان المتعلم التواق للفضائل، هذا إذا لم نقل أن جهوده ربما رامت الإفساد وليس الإصلاح. وارتباطًا بالمستوى الأخلاقي، يحضر الحس الدعوي الذي لا ينبغي أن يغيب عند كل مدرس، فالحاجة ماسة اليوم لإحياء هذا البُعد الغائب لدى البعض والذي يضفي قيمة مضافة على جهد المدرّس الذي يسعى إلى إصلاح شخصـية المتـعلم باعتـبارها محل الخـطاب وموضوع التربية.

      إن وجود القدوة الحسنة في عصرنا الحالي لها أهمية بالغة لإعتبارات أساسية تتجلى في أمور منها:
– كثرة القدوات السيئة التي يعج بها مجتمعنا فصار لزاما إيجاد نماذج للقدوات الحسنة لتكون نجوما للاهتداء والإقتداء.
– إن القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل العالية، تعطي للآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة، وأن هذا العمل في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال.
– إن مستويات فهم الكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي.

فعلى الأستاذ الرسالي أن ينتبه إلى حركاته وسكناته ويحرص على ضبطها بأحكام الشرع الحنيف ويستحضر مراقبة اللطيف الخبير متحليا بالقيم الآتية:
– الإخلاص: وهذا مقوم عظيم من مقومات القدوة الحسنة إن لم يكن هو أساسها ولبها، وجميع المقومات التي تليه مبنية عليه.
– العمل الصالح وفق منهج الاتباع: فلا يكون قدوة حسنة من يخالف عمله سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون قدوة حسنة من يبتدع في دين الله ما ليس منه، ولا يكون قدوة حسنة من يجاهر بالمعاصي والعمل السوء.

– التحلي بالأخلاق الحميدة: وخاصة أمهات الأخلاق كالحلم والصبر والصدق والشجاعة والوفاء والحكمة والعدل وغيرها.
– موافقة العمل القول: فهما قرينان، ولا يكون قدوة حسنة أبداً من تخالف أفعاله أقواله، وأعماله كلماته، قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (سورة الصف2.
– علو الهمة: فعلو الهمة عامل مساعد في مقومات القدوة الحسنة، والقدوة الحسنة نوع من التميز ولهذا ينبغي لصاحبها أن يكون صاحب همة عالية وعزيمة متوقدة.

المطلب الرابع: التمكن من المادة المدرسة وطرق التدريس العلمية الحديثة

      لا يغني التحلي بالأخلاق الفاضلة والخصال النبيلة عن المؤهلات العلمية والمهنية التي يجب أن تتكامل في تناغم وانسجام مع سمات الأستاذ الشخصية. فلا مناص من قوة التمكن من المادة العلمية التي يقوم بتدريسها الأستاذ لتلاميذه وتمتعه بالمستوى العلــــمي والبيداغوجي الذي يميز كفـاءته وأهليـته للمــنصب، وقدرته على العــــطاء في مجال تخصصه، وإشباع المتعلم بكل ما يمكن أن يحقق له تحصيلاً دراسيًّا كافيًا حيث أن المتعلمين يضعون معلومات المدرس وقدرته على تقديمها وعرضها في المقام الأول عند تقديرهم لجوانب شخصيته وخاصة إذا كانت تلك المعلومات يغلب عليها الطابع التخصصي. فالتمكن من عرض وتقديم المادة الدراسية للتلاميذ والقدرة على توصيل المفاهيم والمعارف التي تحويها تلك المادة يعد مؤشراً لأداء مهني جيد من جانب المدرس.

      وتكمن خصائص المدرس في قوة تمكنه من مادته العلمية وامتلاكه للعديد من أساليب التدريس التي يستخدم منها بما يتناسب وكل موقف تعليمي يعيشه مع تلاميذه، ولديه انتماء للمهنة وللمدرسة، ويسمح لتلاميذه بالمشاركة في اتخاذ القرارات، هذا إلى جانب توافر قوة الشخصية فى ضبط سلوك التلاميذ بجانب توفر عاطفة دافئة أثناء التعامل معهم، وجدية  تامة في أدائه المـهـني والوظيفي والتي تجعل عمله في منأى عن التهور والاستهتار، ويتفاعل مع المجتمع المحلى المحيط بالمدرسة بفاعلية.

      والمدرس الكفء داخل الفصل الدراسي وخارجه يتعامل مع متعلمين يختلفون فيما بينهم من حيث الاستعدادات والقدرات والميول وتوجد بينهم فروقاً فى القدرة على التعلم حيث تتفاوت سرعة الاستيعاب والتحصيل لديهم من فرد إلى آخر، بل أن بعضهم قد يكون أقدر من غيره فى الاستيعاب فى مجالات معينة كما أن فيهم من لا يصلح تعليمه إلا لحد معين لا يتعداه وهذا يتطلب من الأستاذ أن يراعي كل هذه الفروق والاختلافات بين تلاميذه وهذا ما يعرف باسم مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين أثناء ممارسته لأدائه المهني بالمدرسة.

      وحري بالأستاذ أن ينوع من الطرق والأساليب التدريسية التي تتناسب وكل موقف تعليمي يمر به مع تلاميذه. ليس هذا فحسب بل ويستخدم من تلك الطرق والأساليب ما يتناسب مع كل واحد منهم، فهو على دراية ووعى بقدراتهم واستعداداتهم من الناحية التحصيلية والتعليمية، ويستطيع أن يتابع الكثير من تلاميذه الذين يمارسون العمل الواحد سواء كان داخل الفصل أو خارجه، فيمكنه أن يكتشف المتميز منهم والمتوسط والضعيف فيتعامل مع كل فئة بما يناسبها من طرق التدريس فالأفراد عند ممارستهم لأي عمل لا يؤدونه بنفس الكفاءة والمهارة إذ أنهم في الواقع يختلفون في آداءه.

      إن الآداء المهني التقليدي للأستاذ والذي يتمثل في تقديم وشرح الكتاب المدرسي وتحضير الدروس ووضع الاختبارات قد تغير إلى دور يقوم على تخطيط العملية التعليمية وتصميمها ومعرفة أجزائها، فالمدرس في هذا المجال أصبح هو المخطط والموجه والمرشد والمدير للعملية التعليمية برمتها، هذا فضلاً عن إتاحة الفرصة للتلاميذ للمشاركة بحرية اكبر مع إكسابهم مهارات القدرة على الاتصال بالعالم الخارجي والإطلاع على أحدث ما توصل له العلم  في شتى المجالات، وهذا يتطلب منه أن يكون على معرفة بالبيئة التعليمية وخصائص المتعلمين ومهاراتهم وقدراتهم والطرق التدريسية المناسبة، ووضع الأهداف التعليمية المناسبة ومراعاة الفروق الفردية بينهم.

المطلب الخامس: التمكن من الوسائل التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية    

      لم تعد المدرسة اليوم تدعو إلى التركيز على الحفظ المقيد للتفكير والتلقين الذي يلغى ذاتية المعلم بل أصبحت مدرسة بلا أسوار بينها وبين مرافق الحياة في البيئة المحلية المحيطة ترابط وتلاحم، كما لم يعد الكتاب المدرسي المصدر الوحيد للمعرفة، فقد أضحى أمر الاستعانة بعناصر التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية أمرا حتميا ولازما، ولهذا ينبغي على الأستاذ الرسالي أن  يبحث بشكل دائم عن كل ما هو جديد في مجال تخصصه ليتعلم أكثر ويُحسِّن مهاراته التدريسية، فالتعلم نشاط مستمر يتضمن إتقان مهارات ومفاهيم جديدة، وينبغي أن يكون واسع الإطلاع والممارسة لكل جديد في مجال التربية وطرائق التدريس، ومجال تخصصه الأكاديمي، حتي يستفيد من كل ما هو جديد ومستحدث ومستمد من العناصر التكنولوجية الحديثة ويوظفه لخدمة العملية التعليمية عامة ومنهجه الذي يقوم بتدريسه لتلاميذه خاصة، ودورا لأستاذ في عصر الإنترنت والتعليم عن بعد يكمن في تصميم المواقف التعليمية التي تمنح الفرصة للمتعلمين بالاتصال بالعالم الخارجي من خلال شبكة الإنترنت للإطلاع من خلالها على كل ما هو جديد ويخدم موادهم الدراسية، وتشجيع تفاعل التلاميذ وتطوير أساليب التعلم الذاتي لديهم في الحصول على المعرفة بدلاً من الحصول عليها جاهزة دون جهد وتعب.

المطلب السادس: الإشعاع والتأثير في المحيط

      بفضل طبيعة وظيفة المدرس الرسالي ومقتضيات عمله الشريف فإنه يتواجد في بؤرة تسمح له بنسج خيوط العلاقات والروابط مع كافة الشركاء التربويين وباقي فعاليات المجتمع (أباء التلاميذ، الجمعيات، وباقي المؤسسات الأخرى)، وما يمتلكه الأستاذ الرسالي من سمات وخصائص شخصية ومهنية تشكل وضعه الاجتماعي والمهني مما ينعكس على مستوى أدائه المهني سلباً أو إيجابا، فإن كان الأستاذ يمتلك قدراً من السمات الإيجابية سالفة الذكر فإنه يؤدي دوره المهني بصورة جيدة ومن ثم يسمو بوضعه الاجتماعي والمهني، وعلى العكس من ذلك إن كان يمتلك سمات سلبية فإن هذا من شأنه أن  يحط من وضعه الاجتماعي والمهني، وبالتالي لن يؤدي الدور المطلوب منه كأستاذ حامل لرسالة نبيلة.

      إن أول فضاء ينبغي أن يشعّ فيه نور الأستاذ الرسالي هو فضاء المؤسسة التربوية التي يزاول فيها عمله، حيث يتواصل ويتفاعل مع المتعلمين ومن ههنا يبدأ التغيير التربوي، بالعمل الجاد والمثابرة وبسط التأثير خارج حدود الفصل الدراسي ليشمل أنشطة قيادية على مستوى المدرسة ككل.

العنصرالأول: علاقة الأستاذ الرسالي بالأطر التربوية العاملة معه:

      يدخل الأستاذ الرسالي في علاقات تفاعلية مع أطر الهيئة التربوية والإدارية للمؤسسة التي يشتغل بها في إطار التكامل والتشارك من أجل الاستثمار الأمثل لمجهودات العمل الجماعي في سبيل بناء شخصية متعلم متكاملة الجوانب؛ علميا وعمليا، سلوكيا وأخلاقيا… متشبعة بمبادئ العقيدة الإسلامية والهوية الحضارية الإسلامية وقيم الإسلام السمحة والحوار والتواصل الفعال….وهذا ما يتوخاه النظام التربوي المغربي من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين (أنظر الميثاق الوطني) ولهذا وغيره من الأسباب يتحتم على المدرس الرسالي الدخول في علاقة طيبة مع زملائه العاملين معه بالمؤسسة وهذه العلاقة ينبغي أن تكون محاطة بإطار من التفاعل والتعاون، على اعتبار أنهم جميعاً يعملون في منظومة واحدة لها أهداف واضحة يسعى الجميع إلى تحقيقها كلٌ حسب تخصصه. وبذلك فإن إشاعة لغة التفاهم والتعاون المثمر بين العاملين فى المجال الواحد من شأنها أن تحقق المزيد من النجاح وتحقيق آداء مهني متميز لجميع المتمدرسين على كل المستويات. ولتحقيق إشعاع أكبر داخل المؤسسة وخارجها ينبغي على الأستاذ الرسالي أن يشارك في تحمل المسؤوليات؛ كمسئوليات الإشراف بالمدرسة على نوادي الإنصات والبيئة والجمعيات لتكون له الفرصة للاتصال بأولياء الأمور ومؤسسات أخرى داخل وخارج المدينة التي يعمل بها وبالتالي فرص للثأتير والإشعاع بقدر ما يستطيع، وهذا العمل ينبغي أن يكون بروح الفريق مع باقي الزملاء، هذا بالإضافة إلى العلاقات الغير رسمية التي تنشأ بين فريق العمل بالمدرسة والتي تنشأ في وجود مناسبات الفرح والحزن والمشاركة الوجدانية بينهم.

      فالأستاذ الرسالي سواء كان عضواً في هيئة التدريس أو عضواً في إحدى النقابات المهنية أو جمعية من الجمعيات أو فرداً من أفراد المجتمع يحرص على أن تكون علاقاته بكل المحيطين به علاقات طيبة وجيدة إطارها التعاون وحب العمل مع الفريق حتى يتمكن من أداء دوره المهني بصورة جيدة، وهذا ما ينعكس بأثر طيب على أداء مهمته الرسالية.

العنصر الثاني:علاقة الأستاذ الرسالي بالتلاميذ

      تعتبر مجموعة التلاميذ التي يدرسها الأستاذ عينة لمجتمع صغير، وإذا استطاع الأستاذ أن يربط علاقات إيجابية مع تلامذته ويوجه سلوكاتهم ومعارفهم فإنه سيؤثر لا محالة في المجتمع. ولتحقيق ذلك لا بد للأستاذ الرسالي أن يرقى بأدائه المهني بإتقان طرق التدريس الأكثر فعالية والاهتمام بالجانب العلمي، وكذلك الاهتمام بجانب العناية والرعاية العاطفية لتلامذته والاهتمام بشؤونهم المختلفة ومتابعة مشكلاتهم والاتصال بأولياء الأمور واستقبالهم لبحث ومناقشة وعلاج تلك المشكلات التي تعوق السير الدراسي لأبنائهم، ولكي يحقق الأستاذ ذلك عليه أن يتعرف على شخصيات تلاميذه ويتقرب منهم حتى يسهل عليه التعامل معهم والتأثير فيهم، لإرشادهم والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.

العنصر الثالث: علاقة الأستاذ الرسالي بالمجتمع

      إن نجاح الأستاذ الرسالي في القيام بمهامه تجاه مجتمعه يأتي عن طريق المواقف التعليمية وما ينشأ عنها من علاقات متبادلة بينه وبين تلامذته، والتي ينبغي أن تتسم بالحوار والتفاعل وتبادل الخبرة بحيث تتعدى نقل المعرفة إلى تنمية القدرات وممارسة قوى التعبير والتفكير وإطلاق قوى الإبداع، وتهذيب الأخلاق وتطوير الشخصية بجملتها. مما يترك صدى إيجابيا لدى المتعلمين وأسرهم، كما أن إشعاعات المدرس الرسالي ينبغي أن تلمس عدة جوانب في المجتمع؛ أخلاقية قيمية وجدانية علمية، وذلك بالمساهمة في أنشطة وفعاليات المجتمع المحلي ووتولّي الخطابة والمواعظ في المساجد أو في البرامج الإذاعية أو التلفزية كلما سنحت له الفرصة بذلك في المناسبات الدينية والوطنية… بإبداء الرأي في قضايا المجتمع ومشكلاته بهدف تكوين رأي ناضج لدى أفراد المجتمع مبني على العلم والمعرفة، فالدور الريادي الذي يلعبه المدرس الرسالي يتمثل في إسهامه في تطوير المجتمع وتقدمه عن طريق تربية الأطفال تربية صحيحة تتسم بحب الوطن والحفاظ عليه، وتسلح تلاميذه بطرق التعلم الذاتي التي تمكنهم من متابعة اكتساب المعارف وتكوين القدرات والمهارات وغرس قيم العمل الجماعي في نفوسهم، وتعويدهم على ممارسة الديمقراطية في حياتهم اليومية، وعليه فالأستاذ الرسالي مطالب بأن يكون عضواً فعالاً في المجتمع المحلي، بحيث يتفاعل معه فيأخذ منه ويعطيه، فالمدرس ينبغي أن يكون ناقلا لثقافة المجتمع، فكيف يكون ذلك إذا لم يساهم في خدمة هذا المجتمع بإحياء مناسباته الدينية والوطنية، ومشاركاته في الجمعيات الخيرية الموجهة لخدمة المجتمع، والتعاون مع المؤسسات التربوية والمهتمين بتربية وتعليم النشء في المجتمع، والعمل على توجيه الجميع إلى الرقي بهذا المجتمع إلى المكانة التي تليق به، والتي ينبغي أن تمثل الإسلام أحسن تمثيل، لدحض تلك النظرة السيئة التي أصبحت لصيقة بالمجتمع الإسلامي فالإصلاح في نظرنا والله أعلم ينبغي أن ينطلق من القاعدة؛ من تربية النشء على القيم والأخلاق الحسنة، وحب الوطن بل الأمة بل الإنسانية جمعاء، وإرادة الخير للكل لأن هذا الدين دين عالمي ونحن المسؤولون عن تبليغه للجميع بلسان الحال أولا ثم بلسان القال حتى يكون قولنا منسجما مع أفعالنا وبالتالي يكون هذا التأثير أكثر فعالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التلال الزمردية ص104

[2] جامع العلوم والحكم ـ ابن رجب الحنبلي ص 5

[3] الرسول و العلم للدكتور يوسف القرضاوي ص 100

[4] صحيح مسلم3/1513 كتاب الإمارة ح: 1905

[5] سنن ابن ماجه 1/93 المقدمة ح: 254. وانظر كذلك: مستدرك الحاكم ج 1/86 كتاب العلم.

[6] رواه الحاكم في مستدركه  ج1/85 كتاب العلم، و رواه أبوداود في سننه ج 4/71 كتاب العلم ح:3664.

[7] المرقاة شرح المشكاة ـ الملا علي القاري ج 1/287

[8] المرجع السابق 1/288

[9] الرسول والعلم ص: 97-98

[10]  http://www.ikhwanwiki.com/ الموقع الرسمي للإخوان المسلمين بمصر

[11] مقال بعنوان البذل و التضحية و ثقافة التطوع للدكتور محمد بولوز نشر في هسبريس يوم 22 – 12 – 2012 والدكتورأستاذ بالمركز الجهوي للتربية و التعليم بالرباط.

[12] رواه الإمام الترمذي وقال حديث حسن  والحاكم وصحّحه.

 

Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus