الفصل الأول: الشق النظري

الرسالة والتعليم والجودة: المعجم والدلالة

المبحث الثاني: مفهوم الرسالة في الوحي

      لقد ورد مصطلح الرسالة في القرآن الكريم  بصيغة الجمع (الرسالات) تسع مرّات على الشكل التالي:

– في سورة المائدة الآيتان: 67

– في سورة الأنعام الآية: 124

– في سورة الأعراف الآيات: 62_ 68_ 93_ 144

– في سورة الأحزاب الآية: 39

– في سورة الجن الآية: 23 _28

      وورد بصيغة المفرد في سورة الأعراف مرّة واحدة، في الآية 79.

     وفي ما يلي عرض للآيات التي ذكرت كلمة الرسالة:

     قال الله عز وجل: (يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من النّاس إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين (67) ( سورة المائدة) لقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم بتبليغ الرسالة وهي كل ما أنزل إليه من ربّه، وقد امتثل صلوات الله عليه وسلامه لأمر ربه وقام بمهمته أحسن قيام.[1]

      وقال عزّ من قائل: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتّى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه اللّه أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الّذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) (سورة الأنعام) فالله سبحانه وتعالى أعلم بخلقه وهو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه[2]،والرسالة فضل من الله – تعالى – يختص به من يشاء من خلقه، لا ينالها أحد بكسب، ولا يتوسل إليها بسبب ولا نسب، وعلى أنه تعالى لا يختص بهذه الرحمة العظيمة، والمنقبة الكريمة، إلا من كان أهلا لها بما أهله هو من سلامة الفطرة، وعلو الهمة، وزكاء النفس، وطهارة القلب وحب الخير والحق[3].

     وقال عز وجل في سورة الأعراف في هذه المواضع المتتالية وهو يحكي على لسان أنبيائه ما تعرضوا له من مواقف: (قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكنّي رسول من ربّ العالمين (61) أبلّغكم رسالات ربّي وأنصح لكم وأعلم من اللّه ما لا تعلمون (62) ( سورة الأعراف) ( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكنّي رسول من ربّ العالمين (67) أبلّغكم رسالات ربّي وأنا لكم ناصح أمين (68) ( سورة الأعراف) (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة (ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون النّاصحين (79) ( سورة الأعراف) (الّذين كذّبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين (93) (  سورة الأعراف) (قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كلّ شيءٍ موعظة وتفصيلا لكلّ شيءٍ فخذها بقوّةٍ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) ( سورة الأعراف) يتبين من خلال سياق هذه الآيات لسورة الأعراف أن مصطلح الرسالة له نفس الدلالات والمعاني فلا يحيد عن معنى الوحي الإلهي في جملته[4]بما يحتويه من عقائد[5]ودعوة الخلق إلى الله وفعل للأوامر واجتناب  للنواهي.[6] ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر رسله بتبليغ هذه الرسالة فكانت وظيفة رسله إلى الناس التبليغ والنصح الأمين كما جاء في الآيات.

ولصاحب الظلال رحمه الله كلام جميل في معنى الرسالة، قال رحمه الله: (إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد: هو تعبيد الناس كلهم لربهم وحده – رب العالمين -)[7] ويضيف أن:( العبودية والدينونة للّه وحده- وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين اللّه كله)[8]

      ويقول الله عز وجل مادحا أنبياءه الّذين يبلّغون رسالات اللّه: (ما كان على النّبيّ من حرجٍ فيما فرض اللّه له سنّة اللّه في الّذين خلوا من قبل وكان أمر اللّه قدرا مقدورا (38) الّذين يبلّغون رسالات اللّه ويخشونه ولا يخشون أحدا إلّا اللّه وكفى باللّه حسيبا (39) (سورة الأحزاب) الذين يؤدونها بأماناتها ويخشونه أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحدٍ عن إبلاغ رسالات الله تعالى وكفى باللّه حسيبا أي وكفى باللّه ناصرا ومعينا، وسيّد النّاس في هذا المقام بل وفي كلّ مقامٍ محمّدٍ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه قام بأداء الرّسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشّرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو صلى الله عليه وسلم فإنّه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم، قال الله سبحانه وتعالى:) قل يا أيّها النّاس إنّي رسول اللّه إليكم جميعا ([الأعراف: 158] ثمّ ورث مقام البلاغ عنه أمّته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي اللّه عنهم، بلّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسرّه وعلانيته، فرضي اللّه عنهم وأرضاهم ثمّ ورثه كلّ خلفٍ عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفّقون، فنسأل اللّه الكريم المنّان أن يجعلنا من خلفهم[9]. وبذات الدلالات والمعاني ورد مصطلح الرسالة في سورة الجن، يقول الله عز وجل: (قل إنّي لن يجيرني من اللّه أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلّا بلاغا من اللّه ورسالاته ومن يعص اللّه ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبدا (23) (سورة الجن) ويقول أيضا:)عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلّا من ارتضى من رسولٍ فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيءٍ عددا (28)( سورة الجن).

      فالرسالة في القرآن الكريم هي وحي الله، هي دين الله، هي دعوة الخلق إلى الله، هي الأوامر والنواهي، هي النصح الأمين، هي التبليغ والتربية، هي العقائد والأحكام والآداب والمواعظ، هي إرادة الخير للناس جميعا، هي رسالة القرآن عينها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   انظر تفسير القرآن العظيم  لابن كثير3/150

[2]   المصدر السابق 3/332

[3]   تفسير المنار لمحمد رشيد رضا  ج8/34

[4]   فتح القدير للشوكاني  ج2/247  وفتح البيان في مقاصد القرآن آبي الطيب صديق القنوجي النجاري ج 4/387

[5]  تفسير المنار ج 8/494

[6]  تفسير السعدي 1/666

[7]   في ضلال القرآن  للسيد قطب ج3/1306

[8]   المصدر السابق ج3/1305

[9] تفسير ابن كثير ج  6/427
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus