الفصل الثاني: مواصفات الأستاذ الرسالي ودورها في تحقيق الجودة

المبحث الثاني: من أسباب عدم تحقيق الجودة

المطلب الأول: غياب الوازع الديني

      إن عدم شعور الأستاذ بقدسية رسالته وعدم استحضاره لمراقبة الله عز وجل ليسهم بشكل كبير في تدني جودة الخدمات التربوية والتعليمية التي يسديها للمتعلمين، وللأسف الشديد يعاني ميدان التربية والتعليم من وجود مثل هؤلاء النماذج السيئة حتى صار مألوفًا أن نلاحظ في حياتنا المدرسية الانحراف، والطيش في سلوكات المتعلمين داخل الفصول الدراسية أحيانًا، دون أن يحرك هذا الواقع شيئًا في ضمير المدرس، ويهز كيانه، ويملئ قلبه حزنًا وأسفًا على ما آلت إليه الأوضاع. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نرصد جملة من المظاهر التي يعرفها واقعنا التربوي والتي تدل على غياب الوازع الديني والأخلاقي لدى فئة عريضة من أطرنا التربوية:

  1. عدم احترام الوقت المخصص للعمل التربوي وتدبيره.
  2. عدم الإطلاع على مستجدات التربية والتعليم وما تتطلبه كل حقبة وكل مرحلة يمر بها المتعلم.
  3. عدم الاهتمام بالمتعلم ومشاركته همومه وأحاسيسه، واكتشاف تطلعاته.
  4. البعد عن الواقع ومشكلاته في معالجة الدرس.
  5. غياب الحيوية والجدية والتجديد، في العمل والفعل التربوي، وكلها عناصر بدونها لا يمكن أن يفرض المدرس وجوده واحترامه.

      والأستاذ في مدرسته وفي فصله وبين تلامذته وبين كتبه وكراسات أبنائه عليه أن يدرك أن الرقيب الحقيقي على سلوكه بعد الله سبحانه وتعالى ضميره، وأن الرقابة مهما تنوعت أساليبها لا ترقى إلى الرقابة الذاتية. فالضمير اليقظ يتحسس جوانب العملية التعليمية التربوية بكل أبعادها ومضامينها، إذا لم يسهم المدرس في ترسيخ القيم الإسلامية السمحة وقيم المواطنة لدى تلامذته فإن هناك ضميرا سيقلق راحته ويؤنبه ليل نهار إن كان له.

      ومعلوم أنّ ركيزة أي إصلاح هو المدرس، فإذا آمن بالإصلاح واقتنع قلبه وعقله بصدق الشعارات ونزاهة الإدارة الوصية، فإن انخراطه سيكون تلقائيا ولن يحتاج إلى مراقب يرصد حركاته أو مفتش يباغته بزياراته.

المطلب الثاني: التهرب من المسؤولية

      وهذا حال من لا يملك وازعا دينا ولا ضميرا أخلاقيا يلومه حال تخليه أو تقصيره في واجباته المهنية، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال:( كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع مسئول عن رعيته) متفق عليه.

      فأن تكون مدرّسا يعني انك تحمل مسؤولية كبرى، إنها مسؤولية بناء الأجيال، إنها رسالة سامية  تتطلب أن يشعر الأستاذ أنه رجل مسئول عن رسالته  فيدفعه الشعور بالمسؤولية لبذل جهود مضاعفة وإعطاء أكثر ما يستطيع.

      وما يحزّ في النفس أن هناك قسما من المدرسين لا يشعرون بمسؤوليتهم ولا يدركون خطورة مهمتهم ولا يلقون بالا لما ألقي على عاتقهم من تكليف. ولا يمكن لمثل هؤلاء أن يقدموا علما ومعرفة لتلامذتهم، فتضيع الجودة ويضمحل المردود وإن كانت البرامج والكتب المدرسية وكل الظروف التعليمية في مستوى عال.

      ومن أهم الأمور التي يمكن أن تجعل مدرسا ما يتخلى عن مسؤوليته أو تجعله لا يشعر بها أو لا يكترث لها بالإضافة إلى غياب الوازع الديني كما سلف:

1-   عدم تمتعه بالوعي التربوي العالي الذي يوجهه نحو العطاء أكثر ويجعله يعي خطورة الوضع في حال حصل هناك تهاون تربوي وتقصير في المهمة.

2-   اعتبار المدرس لوظيفته التربوية والتعليمية أنها تأدية واجب فحسب حيث يذهب كل يوم لعمله يلقي دروسه المقررة ويسجل حضوره وآخر همه فائدة المتعلمين وتطورهم التعليمي والفكري والتربوي.

3-   معاناة الأستاذ من كثرة الضغوطات الحياتية أو مشاكل خاصة تؤثر على نفسيته وتجعله غير راغب في تأدية عمله بالحماسة المطلوبة، وهذا ما يفقده اتّزانه التفكيري واستقراره العصبي وهدوءه النفسي.

4-   مساواة الجهد بالمردود المالي؛ فبعض المدرسين يبررون تقاعسهم بضعف الراتب الذي يحصلون عليه، فيجب أن يعلم كل مدرس أنه مهما تقاضى من أجر على عمله، لا يمكن أن يتساوى مع ما يقدمه لأن عطاء المدرس الحقيقي لا يمكن أن يقاس بالمال بل اكبر بكثير من ذلك كله.

ومهم كانت الأعذار والمبررات التي يمكن أن يعتذر بها الأستاذ، فليعلم أنه ذات يوم سيسأل عن عمله هذا وعن رسالته الشريفة وماذا فعل بها.

وما أسعد من سخّر علمه ومعرفته ووقته لخدمة البشرية ولصناعة الإنسان وبناء مستقبل واعد لأبناء أمته وهو في ذلك مخلص لله ولرسوله ولدينه.

Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus