مقدمة

      الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله أراد ما العباد فاعلوه ولوعصمهم ما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ›
      أما بعد، فإن موضوع التربية والتعليم، من المواضيع التي أسالت مداد أقلام كثير من العلماء والفلاسفة والمفكرين منذ عصور خلت، ولا زال البحث فيه جاريا وسيستمر جيلا بعد جيل، لأن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية ولا يكون حضاريا إلا بالتعليم، والحضارة لا يمكن أن تبنى إلا على قيم رصينة وأخلاق عالية، وباستقرائنا لسقوط أعظم الحضارات نجد أن أهم عوامل سقوطها؛ الانحلال الأخلاقي، وتفسخ القيم، وتخليها عن مبادئها…
      نستهل حديثنا في هذا التقديم، عن المدرسة كمؤسسة تربوية تعمل على تربية الناشئة، ودور المدرس ودور الأستاذ الرسالي، في أداء المدرسة لدورها المنشود، وهو صناعة حضارة مبنية على أسس أخلاقية وقيم إسلامية راسخة، وللإشارة فإن هذا الدور كان في القديم محصورا على الأسرة، ومع التطور الذي بدأت تعرفه الإنسانية مند القدم لم يعد بمقدور الأسرة لوحدها القيام بهذا الدور، فأفرزت الحتمية الحضارية ظهور مؤسسات تقوم بهذا الدور على رأسها في المجتمع الإسلامي المسجد، الذي يعتبر النواة الأولى للتربية وتوجيه السلوك وغرس القيم وبناء الحضارة، واستمر المسجد في الحضارة الإسلامية يقوم بهذا الدور حتى بلغت هذه الحضارة إلى الذروة. غير أن هذا الدور سرعان ما بدأ يتراجع لصالح المدرسة مع بداية تدخل الدول الغربية في البلاد الإسلامية.
      وعلى العموم فالمدرسة أصبحت تعتبر من أهم المؤسسات التربوية التي تطمح من خلالها الدول اليوم، إلى تحقيق التقدم الحضاري وتحقيق ما تطمح إليه شعوبها أخلاقيا اجتماعيا واقتصاديا. والمدرسة كجهاز مؤسساتي تعمل من خلال العديد من الفاعلين والأطر.
وما يهمنا في هذا البحث هو دور الأستاذ أو المدرس كإطار فاعل في المؤسسة يعمل على أداء رسالته التربوية، فالمدرسة قبل كل شيء تعمل على تلقين التربية قبل التعليم، وبناء على هذا الطرح فالتربية هي جوهر العملية التعليمية التعلمية، بحيث لا يمكن الحديث عن تعليم فعال إلا من خلال تربية حسنة تجعل المدرس يقوم بوظيفته على الوجه الأمثل.
أهمية البحث:
      تكمن أهمية البحث في كونه يسلط الضوء على أهم ما تتوخاه المدرسة المغربية اليوم؛ وهو تحقيق الجودة في المنظومة التربوية على مستوى المدخلات والمخرجات، وبيان العنصر الأساس لتحقيق الجودة المنشودة. وهذا العنصر لا توليه الوزارة الوصية الاهتمام البالغ؛ إنه التعليم الرسالي، فالجهات الوصية في سعيها لتحقيق الجودة تركز على مدخلات، أخرى وهذا ما لمسناه من خلال فترة التكوين التي قضيناها في المركز باستثناء بعض الأساتذة الذين يسعون لغرس هذا المفهوم في الطلبة، كما يسعى هذا البحث إلى بيان أنّ عنصر الرسالية من أهم العناصر لتحقيق الجودة مع بيان أهم المواصفات التي ينبغي غرسها في الأستاذ المتدرب أثناء التكوين وبعده.
      كما أن هذا البحث يكتسي أهميته من كونه سلط الضوء في الجانب التطبيقي، على مدى توفر أساتذة مادة التربية الإسلامية على مواصفات المدرس الرسالي، في طريقة اشتغاله، وكيفية تعامله مع تلامذته وطبيعة سمعته داخل المؤسسة ومصداقيته في تبليغ الرسالة التي يحملها على عاتقه، إلى غير ذلك من الأمور التي عملنا على استقصائها بواسطة استمارات البحث. إضافة إلى ذلك، فهذا البحث يجعلنا نلمس واقع اشتغال المدرس في المدرسة والظروف المحيطة به.
مجال الدراسة:
      لقد حاولنا تسليط الضوء في هذه الدراسة بالأساس على مدرس مادة التربية الإسلامية، والدور الذي ينبغي أن يقوم به في غرس قيم الإسلام السمحة في التلاميذ ونشرها في المحيط، وقد اقتصرنا في هذا البحث على عينة من التلاميذ؛ مستوى السلك الإعدادي، وأساتذة من تخصصات أخرى، وأساتذة مادة التربية الإسلامية، ومفتشي مادة التربية الإسلامية.
      وتجدر الإشارة إلى أننا في هذا البحث، لا ندعي تعميم نتائج هذه الدراسة على جل المدارس المغربية، لهذا اعتمدنا مقاربة تهدف إلى الكشف عن مدى رسالية أستاذ مادة التربية الإسلامية كما أن البنية المفاهيمية المعتمدة في البحث وكذا الأدوات المنهجية تبين حدود هذه الدراسة.
أهداف البحث:
      تتجلى أهداف البحث بالأساس في قياس مدى رسالية أستاذ التربية الإسلامية، خاصة في العصر الذي يعرف موجة من التغريب في صفوف الشباب المسلم، وكذا رصد الواقع التربوي بالمدرسة المغربية، إضافة إلى دراسة العلاقة بين المدرس والتلاميذ، ومعرفة تمثلات التلاميذ حول أستاذ التربية الإسلامية، كما يهدف هذا البحث إلى الكشف عن الآليات التي يعتمدها مدرس التربية الإسلامية، والتي تساعده على القيام بوظيفته الرسالية.
إشكالية البحث:
      تعتبر الإشكالية قاعدة ينطلق منها كل باحث في بحثه التدخلي، فلا يمكن للباحث أن ينطلق من فراغ أو يبحث عن حل لمشكل غير موجود، وعليه يمكن القول أن المشكل هو الذي يدفع الباحث للبحث عن حل. والإشكالية التي انطلقنا منها في هذا البحث؛ لماذا نلمس غياب الجودة في تعليمنا على الرغم من توفر الإمكانات المادية ولو بشكل محدود؟ لماذا تغيب القيم في واقعنا المعيشي على الرغم من أن أغلب المقررات تتضمنها، وعلى رأسها مقرر التربية الإسلامية؟ وإشكال آخر كان منطلق هذا البحث؛ وهو إلى أي حد يمكن اعتبار أستاذ التربية الإسلامية مدرسا رساليا في أداء وظيفته؟ تلك أهم الإشكالات التي يسعى هذا البحث للإجابة عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
الفرضيات:
      الفرضية إجابة مؤقتة عن الإشكالات المطروحة أعلاه، لهذا فقد انطلقنا في هذا البحث من افتراض؛ أن ضعف الجودة في التعليم ناتج عن ضعف الرسالية لدى المدرسين بصفة عامة، أما أستاذ التربية الإسلامية فبحكم احتكاكه بالقرآن والسنة النبوية؛ وهما مصدر القيم والأخلاق فإننا نفترض أنه أستاذ رسالي بدرجات متخلفة تزيد وتنقص بزيادة الإيمان ونقصه. كما نفترض أن الأستاذ الذي يتحلى بصفات الرسالية يحقق الجودة في التعليم؟
الصعوبات:
      ونحن ننجز هذا البحث واجهتننا صعوبات وعراقيل منها: أننا لم يسبق لنا أن قمنا بمثل هذه الدراسات والبحوث الميدانية، بالإضافة إلى أن هذا الموضوع “التعليم الرسالي شبه غائب في استراتيجيات تحقيق الجودة لدى الوزارة”، كما أن عامل الوقت المخصص لإنجاز البحث كان من بين العراقيل الكبيرة، لأن مثل هذه البحوث تحتاج إلى خرجات ميدانية، واستفسار عينات من التلاميذ والأساتذة، والتعامل مع هؤلاء العينات يحتاج إلى صبر كبير وسعة الصدر. لأن الناس ليسوا سواء، فمنهم من يتعامل معنا بالحسنى ومنهم من يتجاهلنا…، كما أن هذه البحوث التدخلية تحتاج إلى إمكانات مادية لنسخ الاستمارات والتنقل بين المدارس لملئها… ولكن بفضل الله أولا ثم بفضل الصبر والدعاء والمثابرة ثم بفضل الشحنات الإيمانية والرسالية التي كان يغرسها فينا الأستاذ المشرف الدكتور محمد بولوز، تذللت لنا هذه الصعوبات، ليخرج هذا البحث إلى الوجود، في انتظار مزيد من التنقيح والإضافة عند التفرغ له إن شاء الله تعالى، فالشكر الجزيل للأستاذ المشرف خصوصا، ولكل من ساهم من قريب أو بعيد في إخراج هذا البحث إلى الوجود.
      وقد جاءت مادة هذا البحث موزعة على ثلاثة فصول، ومقدمة وخاتمة.
      خصصنا الفصل الأول للحديث عن مفاهيم الرسالة والتعليم والجودة لغة واصطلاحا
      وقسمناه إلى مباحث وعدة مطالب.
      أما الفصل الثاني، فقد تطرقنا فيه إلى مواصفات الأستاذ الرسالي ودورها في تحقيق الجودة في التعليم، وجاء هذا الفصل في مبحثين.
      أما الفصل الثالث فقد عملنا فيه على عرض نتائج الإستمارات المعتمدة في البحث وتحليلها واستخلاص دلالتها، وتم تقسيم هذا الفصل إلى أربعة مباحث.

Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus