تقديم

د. محمد منصف العسري

رئيس التحرير

      الحمد لله رب العالمين، الذي بعث رسوله عليه الصلاة والسلام مربيا ومعلما، مجسدا لقيم الوحي الإلهي، وأنموذجا أمثل للتربية الربانية؛ {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، وذلك يدل دلالة واضحة على المكانة العليا للتربية والتعليم وأهميتهما القصوى في حياة الأمة الإسلامية، وسائر الأمم والمجتمعات؛ لأنهما يمثلان الأساس المتين والسبيل الصحيح للتنمية الحقيقية في جميع مجالات الحياة.
      وإذا كانت التربية عموما تعتبر سلوكا إنسانيا يستهدف في النهاية بناء المجتمع الصالح، بما يؤهله لأداء وظائفه وأدواره في الحياة ويكفل له أسباب سعادته؛ فإن التربية لا يمكنها تحمل هذه المسؤولية الجسيمة وتحقيق غاياتها إلا بتوفر العوامل الضرورية لذلك، ومن أهمها وأكثرها فعالية على الإطلاق؛ وجود المربي والمدرس الرسالي الصالح والمؤهل الكفء، الذي بتوفره يمكن معالجة وتعويض أي نقص قد يكون في العوامل الأخرى؛ لما له من دور رئيسي في تنزيل الفلسفة التربوية العامة، وما تنطوي عليه من مقاصد، في الواقع التربوي.
      فالمدرس يقوم بعمل تربوي جليل؛ يجعل من الضروري إعطاء العناية القصوى لاختيار من يصلح لهذه المهمة؛ ليكون قادرا على حمل الأمانة وأداء المسؤولية المنوطة به بحكمة وعلى أحسن وجه، ويكون خير قدوة لمتعلميه؛ فيكون له الأثر المطلوب في إصلاحهم والمساهمة بالتّبع في الإصلاح المجتمعي.
      والواقع أن المدرس مرب أولا ومعلم ثانيا؛ فمهمته الأولى والأسمى هي التربية؛ لأن بدونها لا تتحقق على الوجه المطلوب مهمته الأخرى المتمثلة في التعليم. وبهذا الاعتبار لا بد من وعيه بدوره مرشدا وموجها للمتعلمين ومؤثرا في تشكيل شخصياتهم؛ لكون المطلوب فيه أن يمثل لديهم نموذجا يقتدى به في السلوك والقيم حالا ومقالا، مع عمله بإخلاص وفق منهج سليم واضح يوجهه.
      ومن ثمة ندرك أن المدرس الرسالي هو الذي يقتنع أن مهمة التدريس لا تختصر في كونها مهنة، ويعي أنها عملية مركبة تستهدف بناء الكيان الإنساني على المدى البعيد؛ مما يتطلب من صاحبها جهودا متواصلة وصبرا؛ لأنه مسؤول عن تربية وتعليم الأجيال، من خلال تنمية المعارف والمهارات والخبرات وترسيخ القيم الإسلامية في نفوس الناشئة؛ بقصد إعدادهم لبلوغ ما يمكنهم من التقدم في البناء الشامل والمتكامل لشخصياتهم في أبعادها المختلفة؛ ليكونوا صالحين وقادرين على الإسهام بإيجابية وفعالية في الحياة.
      ونظرا للأهمية الكبرى للتوعية بمسؤوليات المدرس في نظامنا التربوي، والحاجة الملحة لأن يكون رساليا في أداء مهامه؛ فقد اعتنت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بتنظيم عدة لقاءات حول هذه القضية الجوهرية في الشأن التربوي؛ نشير منها إلى إنجاز الجمعية، بتنسيق مع فرعها بآسفي، لندوة تربوية لفائدة أساتذة المادة، حول موضوع: «رسالية الجمعية ومسؤولية أستاذ التربية الإسلامية»، يوم 16 ماي 2012 م. وأيضا تنظيم فرع الجمعية بمراكش للقاء تواصلي مع أساتذة المادة، في موضوع: «التدريس بين المهنية والرسالية»، يوم 17 يناير 2015 م. وكذلك تنظيم فرع الجمعية بآسفي ندوة تربوية لفائدة أساتذة المادة، في موضوع: «رسالية أساتذة التربية الإسلامية في ظل المستجدات المعاصرة»، يوم 17 مارس 2016 م.
      وفي إطار اهتمامنا البالغ بهذه القضية الجوهرية في منظومتنا التربوية؛ يأتي البحث التربوي الذي نقدمه في هذا العدد الثامن عشر من سلسلة ملفات تربوية، حول موضوع: «البعد الرسالي في التعليم مدخل لتحقيق الجودة ـ التربية الإسلامية نموذجا»، من إنجاز الطالبين الأستاذين المتدربين: عمر السعيدي ومحمد مقساوي، بإشراف الأستاذ الدكتور: محمد بولوز، بسلك تأهيل أطر هيأة التدريس، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالرباط؛ حيث كان من أهداف البحث قياس مدى وعي أساتذة التربية الإسلامية بمهمتهم الرسالية، انطلاقا من رصد الباحثين للواقع التربوي الذي يغطيه مجال الدراسة الميدانية المتعلق بالشق التطبيقي، من خلال بيان العلاقة القائمة بين مدرس المادة ومتعلميه، والوقوف على تمثلاتهم حوله، ابتغاء تحديد التدابير المساعدة له على القيام بوظائفه في بعدها الرسالي.
      وقد اعتمد الباحثان في دراستهما لهذا الموضوع الهام على مقاربة توخت توظيف أسس منهج البحث العلمي التربوي، من خلال اعتنائهما بمعالجة الإشكالية التي يطرحها البحث، مرتكزين في عملهما على كل من الدراستين: النظرية والتطبيقية، ومعتمدين على مجموعة من الأدوات المنهجية في تناولهما للمباحث التي قاما بمعالجتها، والتي بيّنا في بدايتها بعض المفاهيم المرتبطة بالموضوع، ثم انتقلا إلى تفصيل الكلام في مواصفات الأستاذ الرسالي ودورها في تحقيق الجودة، ليكشفا بعد ذلك عما توصلا إليه بشأن نظرة المتعلمين لأساتذتهم، ومدى أداء هؤلاء لرسالتهم التربوية الشريفة، وخلصا في بحثهما إلى مجموعة من الاستنتاجات المفيدة في تطوير أداء الأساتذة لمهامهم التربوية وفق المنظور الإسلامي الرسالي، مما من شأنه دعم تحقيق المقاصد العليا لتدريس التربية الإسلامية.
      وإذا كان هذا البحث ذا أهمية كبيرة بالنظر إلى اهتمامه بالمدرس الرسالي الصالح المؤهل، وبيان أدواره الهامة في العملية التربوية التعليمية عموما، والتي من أهمها تأثيره في شخصيات المتعلمين، في إطار مساهمته الفعالة في تنزيل المنهاج في الواقع التربوي؛ فإن هذه الأهمية تتأكد في الوقت الراهن في منظومتنا التربوية بالنسبة للمدرسين عامة ولمدرسي التربية الإسلامية بصفة خاصة؛ نظرا لما يواجه نظامُنا التربوي من تحديات، ضمن ما تواجهه الأمة الإسلامية من تطرف متنوع وتغريب متواصل وعولمة كاسحة؛ مما يتطلب منا تضافر الجهود، ويدعونا إلى مزيد من العمل الدؤوب؛ لتوعية المدرسين بمسؤوليتهم الجسيمة ورسالتهم النبيلة، وتحفيزهم على الاضطلاع بأدائها على الوجه الأمثل.
                      والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سبيل الرشاد.

 

 

Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus