كلمة الإشراف

عبد السلام محمد الأحمر

متى نرفع شعار الإنسان أولا؟

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه المكرمين.

      يمتاز البحث الذي نقدمه في هذا العدد الثامن عشر من ملفات تربوية، بكونه يحاول مقاربة قضية أساسية في النظر إلى المشاكل الكبرى، التي يستعصي حلها، من قبيل المعضلة التربوية، التي مر على استقلال المغرب ستة عقود، دون أن يحقق فيها المبتغى، وينزاح عن دائرة التعثر والارتباك.

      ومعلوم أن قيمة أي بحث، تكمن في قدرته على استيعاب مصدرالأزمة، المترسخة في الواقع، والتي يكون سببها الأول اطرادا، هو العنصر البشري. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وفي قدرته بعد ذلك على صياغة اقتراح عملي ناجع  ودائم لها.

      فعندما نستحضر مااقتضته مشيئة الله، من تكليف الإنسان بحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، يكون من البدهي إرجاع كل مشكل يحصل في حياة الأفراد والمجتمعات إلى ممارسة معينة لهذا الاستخلاف، باعتباره أساسا مكينا لما يتوفر عليه الجنس الآدمي من حرية ومسؤولية، بحيث تعتبر التربية إعدادا للنشء، داخل الأسرة والمدرسة، والحياة الاجتماعية بصفة عامة، للنهوض بالتكاليف الاستخلافية، على مستوى الاعتقاد والتصور، والعبادة والسلوك، وإحراز ما يتعين تحصيله من العلوم التسخيرية، لإنجاز العمران في أرجاء الأرض.

      وكل خلل في حسن استيعاب هذه المهمة الأصلية للإنسان  في الحياة الدنيا، ينتج عنه اختلال في فهم أبعاد رسالته، سواء في مضمونها الغائي الموجه، أو في طريقة تنزيلها وممارستها، في شتى مجالات النشاط الأرضي.

      لقد عانت الأمة، وما زالت تعاني الكثير من الإخفاقات المتزايدة، بسبب ذهولها عن حقيقة رسالتها، التي كانت أساس وجودها وتميزها بين الأمم، وما انفكت تردد آياتها وأحاديثها بكرة وعشية، لكنها عجزت عن مواصلة تفعيلها عبر متغيرات الزمان والمكان، وفي مختلف مجالات الحياة، وعلى رأسها القضية التربوية التي كانت الخطوة الأولى لتأسيسها، على يد معلم الإنسانية محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة والتسليم.

       والذي كان أول ما تلقاه من الرسالة القرآنية، هو الأمر بالقراءة باسم الله. {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 – 5].

       والقراءة باسم الله، تعني في أصل ما تعنيه، حسن استيعاب رسالية الإنسان، المستخلف عن الله في إطار الوحي، ليقوم بالمهمة الاستخلافية بإذن من الله، وانطلاقا من تعلم حقيقة الله، وحقائق شرعه، وحقيقة النفس، التي جعلها الله منطلق كل صلاح وفساد يقع على وجه الأرض، وحقيقة الأولى والآخرة، وكيف يسعد المرء بعلمه وعمله وفكره في الدارين.

      يبدو أنه أكدت الشواهد الصارخة والأدلة الساطعة، على أن أصل الخلالات المعاينة في حقل التربية، ترجع إلى افتقادها لرسالتها، أو بتعبير أدق افتقاد كثير من رجال التربية  لروح الرسالية، وعمق المسؤولية المطوقة لأعناقهم، واستحكام الغبش والغموض في إدراك خطورة الدور الذي يقومون به، مما يجعلهم ضعيفي الفعالية في إعداد السياسات التربوية السديدة، وإحكام بناء المناهج المعرفية والتكوينية، وحفز همم مختلف الشركاء، للاضطلاع بالأعباء الملقات على كواهلهم بأمانة واقتدار.

      ومن ثم فلا يمكن حصر هذا المطلب، في فئة من الأساتذة دون غيرهم، رغم كون أساتذة التربية الإسلامية معنيين أكثر بتحصيل وعي أعمق برسالتهم النابعة من الرسالة الخاتمة، والسعي لاستلهامها في أداء مسؤولياتهم التربوية بالجودة والإحسان.

      وفي هذا الصدد يمكن صياغة قاعدة صحيحة نظريا وواقعيا، بأن القليل من الروح الرسالية، توفر جهودا كبيرة، وتغني عن توظيف وسائل كثيرة، وترفع فعالية الإنسان المتشبع بها.

      فكم من أموال تصرف، وأوقات تهدر، ولا تؤتي ثمارها المنتظرة، في الأعمال والمشاريع الإصلاحية، عندما تهمل رسالية العنصر البشري، الموكول إليه استخدامها، والمعول عليه في حسن استثمارها، فمتى نعي هذه الحقائق؟ ومتى نحتكم إليها في جميع أحوالنا؟ ومتى نرفع شعار الإنسان أولا؟.

Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus